شبكة غزة للحوار هي شبكة حوارية مفتوحة للجميع وتخص المواضيع النضالية الخاصة بالشعب الفاسطيني واخر الأخبار والمستجدات.


    من أسرار تقديم الليل على النهار في القرآن (من زاوية علمية)

    شاطر
    avatar
    شبكة غزة
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 391
    تاريخ التسجيل : 07/03/2011

    من أسرار تقديم الليل على النهار في القرآن (من زاوية علمية)

    مُساهمة من طرف شبكة غزة في الإثنين أغسطس 27, 2012 2:49 pm



    من أسرار تقديم الليل على النهار في القرآن (من زاوية علمية)



    من أسرار تقديم الليل على النهار في القرآن
    الاربعاء 04 شوال 1433 الموافق 22 أغسطس 2012

    من أسرار تقديم الليل على النهار في القرآن

    د. محمد بن إبراهيم دودح

    $0الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد؛$0 مستعينًا بالعلي القدير سائله تعالى العون والتوفيق أقتبس بعضا من أقوال الفضلاء تؤيد تفرُّد القرآن الكريم في النظم والمضمون، وبلوغه غاية الإحكام كتناسب تقديم اللفظ وتأخيره مع المقام: $0 لو أنك تُطالع بعض ما سَطَّرَه الأعلام من بلاغة القرآن في اختيار اللفظ وترتيبه بما يناسب المقام لأخذتك روعة البيان كما أخذت عند التنزيل فرسان البيان؛ مما يستبعد الزعم بفقدان القرآن لقوة التأثير، وتلاشي الإدراك لروائع إعجازه في البيان، وظاهرة تناسب التقديم والتأخير مع المقام لا تخص الليل والنهار فحسب، وإنما هي ميزة عامة تشمل كل لفظ، دعنا إذن نلمح سوياً ومضات لنَظْم فريد لا تُعِِيقه عن موافقة المقام ومطابقة الواقع اصطلاحات نحوية، وتركيب عجيب يفيض بأنباء وأمثال ومشاهد تصويرية تُجَسِّد المعنويات ودفين المشاعر بالحسيات، وترفع الأستار عن المجهول؛ فأنَّى لبشر إذن مُحَاكَاتُه!.$0 1- ومضات دلالية:$0 حَمَلَ القرآن المعاني بكل إمكانيات اللغة في التعبير، ففاق ما تبلغه أقصى قدرة وُهِبَت لبليغ؛ كالعُدول في موضع عن المضارع الدال على التجدد إلى الماضي في مقام آخر ناسبه الاهتمام ببيان استدامة الفعل، وكالتقديم في موضع والتأخير في سواه لمناسبة يمليها السياق استحق تبديل الترتيب، وكالالتفات في الخطاب من الحاضر إلى الغائب لدلالة إضافية كالإعراض، وقد يبلغ التعبير في إجمال نبأ كلمة أو بضع كلمات، وفي موضع آخر يفيض بالتفاصيل أو يفرقها لأجزاء تتكامل بلا اختلاف ولا تناقض رغم طول فترة التنزيل؛ ولا تأبى ظاهرة المنظومات الدلالية عن الانتساب لمظاهر التحدي بقدرات لا يملكها بشر، ومن فرط التبسيط إذن القول بأن من أخطاء الكُتَّاب رسم كلمة مثل (رحمت) بتاء ممتدة في سياق ناسبه المبالغة في الرأفة واللين وامتداد الرحمة، أو رسم كلمة (إبراهيم) في سورة البقرة بغير ياء بخلاف كل ما جاء بعدها من السور في المصحف؛ قبل أن تكشف النقوش المطمورة عن معاني مفردات اللغات المندثرة، ويُعرف أن اللفظ بغير ياء في لغة الكلدان Chaldeans يعني (أبو العلاء)؛ من العلو والرفعة بيانًا لمكانته في قومه، وأن اسمه (إبراهيم) بزيادة الياء يعني أنه (للناس إماما) بعد نجاحه في الصبر على الابتلاء وغاية التسليم امتثالا لأمر الله تعالى، وهو نفس المعنى تمامًا كما فسَّره القرآن في وجه فريد من وجوه إعجاز الكتاب المجيد؛ حيث يفسِّر السياق الكلمات الأعجمية قبل أن تُفَك شفرة اللغات المندثرة في قوله تعالى: "وَإِذِ ابْتَلَىَ إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً" [البقرة:124]، وكما للرسم وظائف تنسجم مع المضمون فلتنويعات الصوت في القراءة إمكانيات تثري الدلالة قد حافظت عليها قواعد علم التجويد، وحتى تباين القراءات وإن حملناه على التيسير زمن التنزيل لتباين اللهجات فلا يخلو كذلك من دلالات إضافية تبرز بعض خصائص الموصوف وتثري التعبير. $0 قال الزركشي (رحمهم الله تعالى جميعا) في البرهان (ج3ص238): "في قوله "غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ الضّآلّينَ" [الفاتحة:7]؛ تقدم اليهود لأنهم كانوا أسبق من النصارى؛ ولأنهم كانوا أقرب إلى المؤمنين بالمجاورة..، ومن التقديم بالإيجاد تقديم السِّنَة على النوم في قوله "لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ" [البقرة:255]؛ لأن العادة أن السِّنَة (الغفوة) قبل النوم..، وافتقاد السِّنَة أبلغ في التنزيه فبدأ (بالأنسب للمقام)..؛ لأنه إذا استحالت عليه السِّنَة فأحرى أن يستحيل عليه النوم، ومنه تقديم الظلمة على النور في قوله تعالى: "وَجَعَلَ الظّلُمَاتِ وَالنّورَ" [الأنعام:1]، فإن الظلمات سابقة على النور..، و(مثله) تقديم الليل على النهار..، (و) قوله تعالى..: "يُولِجُ الْلّيْلَ فِي النّهَارِ وَيُولِجُ النّهَارَ فِي الْلّيْلِ وَسَخّرَ الشّمْسَ وَالْقَمَرَ" [لقمان:29]؛.. (أي) يجعل الليل في المكان الذي كان فيه النهار (والعكس)"، وقال الرازي في تفسيره (ج12ص286): "الله تعالى قدم إيجاد الليل على إيجاد النهار في كثير من المواضع..، إذ في الأزل لم يكن نهار ولا نور..، (و)قال: (يُولِجُ).. وقال في الشمس والقمر (سَخّرَ) بصيغة الماضي لأن إيلاج الليل في النهار أمر يتجدد كل فصل بل كل يوم؛ وتسخير الشمس والقمر أمر مستمر كما قال تعالى: "وَالْقَمَرَ قَدّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتّىَ عَادَ كَالعُرجُونِ الْقَدِيمِ" [يس:39]..، (و) قدم الشمس على القمر.. لأن الشمس.. أكبر وأعظم".$0 وقد أكد الدكتور فاضل السامرائي تفرد القرآن الكريم بمراعاة المقام في تقديم اللفظ وتأخيره في كتابه أسرار البيان في التعبير القرآني؛ فقال (ص27): "إن تقديم الألفاظ بعضها على بعض له أسباب عديدة يقتضيها المقام وسياق القول، يجمعها قولهم: إن التقديم إنما يكون للعناية والاهتمام.. بحسب مقتضى الحال..، نراه يقدم لفظة مرة ويؤخرها مرة أخرى على حسب المقام..، كل ذلك بحسب ما يقتضيه القول وسياق التعبير، وقد بلغ القرآن الكريم.. الذروة في وضع الكلمات الوضع الذي تستحقه في التعبير بحيث تستقر في مكانها المناسب، ولم يكتف القرآن الكريم الذي وضع اللفظة بمراعاة السياق الذي وردت فيه؛ بل راعى جميع المواضع التي وردت فيها اللفظة ونظر إليها نظرة واحدة شاملة في القرآن الكريم كله، فنرى التعبير متسقاً متناسقاً مع غيره من التعبيرات كأنه لوحة فنية واحدة..، فقد يكون سياق الكلام مثلاً متدرجاً حسب القدم والأولية في الوجود، فيرتب الكلمات على هذا الأساس فيبدأ بالأقدم ثم الذي يليه..، ومن ذلك تقديم عاد على ثمود.. فإن عاداً أسبق من ثمود، وجعلوا من ذلك تقديم الليل على النهار والظلمات على النور..، فقدم الليل لأنه أسبق من النهار؛ وذلك لأنه قبل خلق الأجرام كانت الظلمة (سائدة)، وقدم الشمس على القمر لأنها قبله في الوجود..، (و) الظلمة قبل النور..، وقد يكون التقديم بحسب الفضل والشرف؛ (و) منه تقديم الله سبحانه في الذكر كقوله تعالى: "وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ"، فقدم الله على الرسول ثم قدم السعداء من الخلق بحسب تفاضلهم..، وجعلوا من ذلك تقديم السمع على البصر..؛ قالوا لأن السمع أفضل..، (ولذا) كان تقديم السمع أولى..، وقد يكون التقديم بحسب الرتبة..، وقد يكون التقديم بحسب الكثرة والقلة، فقد يرتب المذكورات متدرجاً من القلة إلى الكثرة حسبما يقتضيه المقام..، وقد.. يتدرج من الكثرة إلى القلة.. ومنه قوله تعالى: "هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ"..؛ فبدأ بالكفار لأنهم أكثر، قال تعالى: "وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ"..، قالوا: ومن هذا النوع.. قوله تعالى "وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا"؛ قدم السارق على السارقة لأن السرقة في الذكور أكثر، وقدم الزانية على الزاني في قوله تعالى "الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ"؛ لأن الزنا فيهن أكثر..، والأصل فيه المرأة..، (و) قد قيل إنه حيث ذكر الرحمة والعذاب بدأ بذكر الرحمة..، وقد خرج عن هذه القاعدة (في) مواضع اقتضت الحكمة فيها تقديم ذكر العذاب ترهيباً وزجراً..، وقال تعالى: "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ"؛ فقدم الأنعام على الناس، وقال في مكان آخر: "فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ. أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا. ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا. فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا. وَعِنَبًا وَقَضْبًا. وَزَيْتُونًا وَنَخْلا. وَحَدَائِقَ غُلْبًا. وَفَاكِهَةً وَأَبًّا. مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ"؛ فقدم الناس على الأنعام، وذلك لأنه لما تقدم ذكر الزرع.. ناسب تقديم الأنعام بخلاف.. طعام الإنسان..، ألا ترى كيف ذكر طعام الإنسان من الحب والفواكه أولاً ثم ذكر طعام الأنعام بعده وهو الأبّ؛ أي التبن، فناسب تقديم الإنسان على الأنعام هاهنا..!، ونكتفي بهذا القدر من الأمثلة..، فهي تدل دلالة واضحة على أن التعبير القرآني تعبير مقصود كل لفظ فيه وضع (موضعًا) مقصوداً وأنه لم يقدم لفظة على لفظة إلا لغرض يقتضيه السياق..، (و) ما مر من الأمثلة يريك شيئاً من فخامة التعبير القرآني وعلوه، وأن مثل هذا النظم لا يمكن أن يكون في طوق بشر".$0 $0 2- ومضات علمية:$0 في قوله تعالى: "وَآيَةٌ لّهُمُ الْلّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النّهَارَ فَإِذَا هُم مّظْلِمُونَ. وَالشّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرّ لّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وَالْقَمَرَ قَدّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتّىَ عَادَ كَالعُرجُونِ الْقَدِيمِ. لاَ الشّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القَمَرَ وَلاَ الْلّيْلُ سَابِقُ النّهَارِ وَكُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ" [يس:37-40]؛ دل التقديم في مقام الحركة على أن جهة الليل من الأرض أسرع من جهة النهار حقيقةً عند الإطلاق، ونفى عنها السبق عند تلازم الجهتين فجعلهما في السباق سواء، والمعرفة العلمية تشرح هذا النظم الفريد وتكشف معجزة الإخبار بالغيب فضلا عن المعجزة في البيان، وتحل معضلة أولوية الليل في الحركة مع نفي السبق وتدفع تناقض ظاهري وترفع الإشكال، لأن تلازم حركة جهتي الأرض مع دوام السبق ضميمة تؤيد حركة الأرض حول الشمس بسرعة أكبر كثيرا دل عليها التمثيل بالتسابق، وجهة الليل عند الإطلاق أسرع فلكيا بالفعل، لأن اتجاه حركة الأرض عكس اتجاه عقارب الساعة حول نفسها هو نفسه حول الشمس؛ فَتُجمع السرعتان جهة الليل بينما تُخْصَم سرعتها حول نفسها جهة النهار، فكما ترى قد تضمن التعبير بيان حركتي الكوكب وحدد اتجاه حركته حول نفسه وجعل وقت الصبح هو جبهة حركته حول الشمس، وتلك النظرة الشمولية للكون في تعبير وصفي يعتمد التمثيل غني بالمضامين تتجاوز بالقطع أقصى أفق للمعرفة زمن التنزيل. $0 $0$0 $0وفي قوله تعالى: "يُغْشِي الْلّيْلَ النّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً" [الأعراف:54]، وقوله تعالى: "وَالشّمْسِ وَضُحَاهَا. وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا. وَالنّهَارِ إِذَا جَلاّهَا. وَاللّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا" [الشمس:1-4]، وقوله تعالى: "وَالْلّيْلِ إِذَا يَغْشَىَ. وَالنّهَارِ إِذَا تَجَلّىَ. وَمَا خَلَقَ الذّكَرَ وَالاُنثَىَ. إِنّ سَعْيَكُمْ لَشَتّىَ" [الليل:1-4]؛ يستقيم حمل لفظ (الليل) على ظلمة الكون تمثيلا من باب التعبير عن الشيء بلازمه، فالمضامين إذن تحمل دلالات علمية ما أدركها قبل عصر الفضاء بشر، والمعلوم حاليا أن الظلام يسود بالفعل الكون كله ويحيط بطبقة النهار ويغطي الشمس وكل الأجرام ويستر ضوء الشمس في الفضاء بين الأجرام، وكما العين مبصرة تدرك الضوء فكذلك تكشف ضوء الشمس وتجليه طبقة النهار الرقيقة كجلد الذبيحة والتي تخفي وراءها ظلامًا حالكًا يعم كل البدن، وهو نفس التمثيل في قوله تعالى: "وَآيَةٌ لّهُمُ الْلّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النّهَارَ فَإِذَا هُم مّظْلِمُونَ" [يس:37]، والإطلاق إذن في قوله تعالى: "وَالْلّيْلِ إِذَا يَغْشَىَ" بغير تعيين ما يغطيه الظلام جعل الوصف جامعًا لتغشية النهار والشمس وكل الأجرام، وأما الدلالة تمثيلا على أن ظلام الفضاء الكوني يلاحق طبقة النهار دومًا ويحل محلها سريعًا فهي ضميمة تؤيد حركة الأرض حول الشمس. $0 $0$0 $0قال الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره (ج8ص403): "قَالَ تَعَالَى: "وَاللَّيْلُ إِذَا يَغْشَى".. وَقَال: "وَاللَّيْلُ إِذَا يَغْشَاهَا"؛ وَالضَّمِيرُ لِلشَّمْسِ..، وَالْمَعْنَى هُنَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ اللَّيْلَ الَّذِي هُوَ الظُّلْمَةُ يَغْشَى (جرم الشمس وكذلك) النَّهَارَ وَهُوَ ضَوْءُ الشَّمْسِ..، و"يَطْلُبُهُ حَثِيثًا".. أَيْ مُسْرِعًا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَعْقُبُهُ سَرِيعًا..، وَهَذَا الطَّلَبُ السَّرِيعُ يَظْهَرُ أَكْمَلَ الظُّهُورِ بِمَا ثَبَتَ مِنْ كَوْنِ الْأَرْضِ كُرَوِيَّةَ الشَّكْلِ تَدُورُ..، وَقَدِ اتَّفَقَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ كَالْغَزَالِيِّ وَالرَّازِيِّ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَعْقُولِ وَابْنِ تَيْمِيَةَ وَابْنِ الْقَيِّمِ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَنْقُولِ عَلَى كُرَوِيَّةِ الْأَرْضِ..، وَحَكَوُا الْقَوْلَ بِدَوَرَانِهَا.. وَأَوْرَدُوا عَلَيْهِ نَظَرِيَّاتٍ تُشَكِّكُ فِي كَوْنِهِ قَطْعِيًّا وَلا تَنْقُضُهُ..، (ولكن) اسْتِدَارَةِ الْأَرْضِ حَوْلَ الشَّمْسِ.. هُوَ الَّذِي قَامَتِ الدَّلَائِلُ الْكَثِيرَةُ فِي عِلْمِ الْهَيْئَةِ عَلَى رُجْحَانِهِ". $0 وقال الدكتور فاضل السامرائي في كتابه لمسات بيانية في نصوص من التنزيل (ص189): "المفعول لفعل (يَغْشَى) محذوف، فلم يقل سبحانه ماذا يغشى الليل؛ هل يغشى النهار أو الشمس، لأنه سبحانه أراد أن يطلق المعنى ويجعله يحتوي كل المعاني المحتملة..، (وكذلك في) قوله "وَمَا خَلَقَ الذّكَرَ وَالاُنثَىَ".. قسم من المفسرين قالوا إن الذكر هنا هو الجنس البشري، وقسم آخر قال إنه كل ذكر أو أنثى من المخلوقات جميعاً بلا تحديد، وهذا الذي يبدو على الأرجح لأن سياق الآيات.. في العموم..، (وفي) قوله: "وَالْلّيْلِ إِذَا يَغْشَىَ. وَالنّهَارِ إِذَا تَجَلّىَ. وَمَا خَلَقَ الذّكَرَ وَالاُنثَىَ"..؛ نلاحظ أن الله تعالى بدأ بالليل قبل النهار لأن الليل هو أسبق من النهار وجوداً وخلقاً، (و)لأن النهار جاء بعد خلق الأجرام؛ وقبلها كانت الدنيا ظلام دامس، والليل والنهار معاً أسبق من خلق الذكر والأنثى، وخلق الذكر أسبق من خلق الأنثى: "خَلَقَكُمْ مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا"، فجاء ترتيب الآيات بنفس ترتيب الخلق: الليل أولاً، ثم النهار، ثم الذكر، ثم الأنثى"، وقال فضيلته أيضا (ص2): "قرأت فيما توصل إليه علم التاريخ وما دلت عليه الحفريات الحديثة.. أدق الأخبار ما لم يكن يعرفه جميع مفسري القرآن فيما مضى من الزمان، وأن الذي اكتشفه المؤرخون والآثاريون وما توصلوا إليه في هذا القرن منطبق على ما جاء في القرآن الكريم كلمةً كلمة؛ ولم يكن ذلك معلوماً قبل هذا القرن البَتَّة..، وعرفت من الإشارات الإعجازية في مختلف العلوم.. ما دعا كثيراً من الشخصيات العلمية إلى إعلان إسلامهم، بل إن هناك أموراً لم تُعرف إلا بعد صعود الإنسان إلى الفضاء واختراقه الغلاف الجوي للأرض، وقد أشار إليها القرآن إشارات في غاية العجب؛ ذلك أن الإنسان إذا اخترق الغلاف الجوي للأرض وجد نفسه في ظلام دامس وليل مستديم..، فالنهار الذي نعرفه نحن لا يتعدى حدود الغلاف الجوي؛ فإن تجاوزناه كنا في ظلام لا يعقبه نهار، وقد أشار إلى ذلك القرآن إشارة عجيبة في قوله: "وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ"، فجعل النهار كالجلد الذي يُسلخ، وأما الليل فهو الأصل وهو الكل، فشبّه الليل بالذبيحة والنهار جلدها، فإن سلخ الجلد ظهر الليل، فجعل النهار غلافاً والليل هو الأصل، وقال: "وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ. لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ"، أي لو مكنّاهم من الصعود إلى السماء لانتهوا إلى ظلام وقالوا: "سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا"..، وعلى هذا فالإعجاز القرآني متعدد النواحي؛ متشعب الاتجاهات ولا يزال الناس يكتشفون من مظاهر إعجازه الشيء الكثير..، إن التعبير الواحد قد ترى فيه إعجازاً لغوياً جمالياً وترى فيه في الوقت نفسه إعجازاً علمياً أو إعجازاً تاريخياً أو إعجازاً نفسياً أو إعجازاً تربوياً أو إعجازاً تشريعياً أو غير ذلك، فيأتي اللغوي ليبيّن مظاهر إعجازه اللغوي وأنه لا يمكن استبدال كلمة بأخرى ولا تقديم ما أُخّر ولا تأخير ما قُدّم..، ويأتيك العالم في التشريع ليقول مثل ذلك من وجهة نظر التشريع والقانون، ويأتيك المؤرخ ليقول مثل ذلك من وجهة نظر التاريخ، ويأتيك صاحب كل علم ليقول مثل ذلك من وجهة نظر علمه..، إننا.. نضع أيدينا (فقط) على شيء من سُمو هذا التعبير ونبيّن إن هذا التعبير لا يقدر على مجاراته بشر؛ بل ولا البشر كلهم أجمعون..، وإنما هي ملامح ودلائل تأخذ باليد وإضاءات.. في الطريق تدل السالك على أن هذا القرآن.. (قد) نُسج نسجاً محكماً فريدًا لا يشابهه كلام ولا يرقى إليه حديث".$0 وبعد؛ إنها ومضات فحسب لمآثر تأخذ بالوجدان في كتاب عجيب معجز جامع فريد؛ معجز في نظمه وتناغم فواصله وإيقاع مقاطعه مع المضمون، معجز في تمثيل المعنويات وخفايا الخلق بالمعهود زمن التنزيل فيرسخ المضمون، معجز في تحديه بلا مجيب، معجز في بساطة عقيدته، وعدالته، وعالميته، وحثه على الفضائل في دعوته، وقابلية شريعته للتطبيق مهما تغيرت الأزمان، وثرائه بأنباء غيبية يؤيدها كل حين الزمان، وانتشاره بين كل الأمم رغم المحاربة ومحاولات التشويه، وتعجب أن يتعامى الطاعن ويثير الشغب باللغو والتشويش على المآثر ويعدل عن الاعتراف بروائع البيان ودلائل الوحي تدفعه العصبية الطائفية أو الإلحاد اغترارًا بالضلال، وتحتار أهو جهل بالمضامين أم هو مكابرة تفضح مأثرةً العجز عن تحدي القرآن والاعتراف بغلبته مصداقًا لقوله تعالى: "وَقَالَ الّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهََذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلّكُمْ تَغْلِبُونَ" [فصلت:26].$0 ومع ثراء النظم والمضامين يحمل القرآن زادًا لكل الأجيال ويدخر في كل ميدان علمي اليوم بصمة تدل على الوحي، وعلى سبيل المثال؛ قبل اكتشاف المجهر في القرن السابع عشر لم يكن يعلم بشر بتكون المني القليل من ملايين المكونات الدافقة ذاتيًّا مثل ماء قليل يتكون في عالم المشاهدة من ملايين القطرات أو النطف Droplets، وأن الإنسان يرجع في الأصل إلى نطفة واحدة ذات أخلاط وراثية عديدة من الأب والأم تحدد الجنس والصفات ونُسَمِّيهَا اليوم صِبْغِيَّات Chromosomes، ولكن القرآن يستغني عن المصطلحات العارضة ويَتَلَطَّف بتصوير المجهول بمعهود بيئة التنزيل ويضرب الأمثال ويحكم التعبير بما لا يلفت عن الغرض، يقول تعالى: "وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاّ الْعَالِمُونَ" [العنكبوت:43]، وتَذْهَل أن يَذْخَر القرآن منذ القرن السابع ببيان خفايا التكوين كدلائل علمية على الوحي مُدَّخَرَة لكل فطين كشفت له الأيام تلك المفاخر، يقول تعالى: "فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمّ خُلِقَ. خُلِقَ مِن مّآءٍ دَافِقٍ" [الطارق:5و6]، وفي عالم المشاهدة المني مدفوق؛ ولكن الحقيقة أن مكوناته تحت المجهر دافقة ذاتيًّا، ويَحَار الفكر للتعبير باسم الفاعل الدال على الحركة الذاتية ويأتي العلم ليكشف السر، ونعلم اليوم أن البداية أشبه بنطفة واحدة لكن تركيبها مزيج وراثي ثنائي مترابط أو مشيج من الأبوين يحدد معالم المشروع، وقبل تكون أول خلية بشرية Zygote لم يكن الإنسان شيئا مذكورًا في عالم الحس سوى دقائق وراثية في أصلاب أجنة الأبوين تناقلها الأسلاف وترجع في الأساس إلى الطين عند تكون الأرض؛ تصديقًا لقوله تعالى: "هَلْ أَتَىَ عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مّنَ الدّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مّذْكُوراً. إِنّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً" [الإنسان:1و2]، ولَكَ أن تسأل لماذا لم يخضع التعبير للقاعدة النحوية بإتباع الصفة للموصوف في الإفراد؛ فوصف المُفرد نطفة بالجمع أمشاج موافقًا الواقع المجهول ببيان التركيب، ويُجيبك التنبيه للغرض: "فَاعْلَمُوَاْ أَنّمَآ أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاّ إِلََهَ إِلاّ هُوَ فَهَلْ أَنتُمْ مّسْلِمُونَ" [هود:14].$0

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين سبتمبر 25, 2017 8:03 pm